خطبة الجمعة ـ 27جمادى الآخرة 1433 ـ الثانية ـ الشيخ علي حسن : الطلاق بين القانون والشرع
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة:231.
ـ في الأسبوع الماضي انعقد في الكويت المؤتمر الأول ليوم المرأة العالمي المقام من قبل تجمع تواصي الإسلامي الوطني، وكان محور المؤتمر في اليوم الثاني حول حقوق المطلقة بين العرف والشرع والقانون.
ـ من خلال الأوراق التي قدمت والنقاشات الجانبية يتأكد وجود فجوة ما بين الرأي القانوني في بعض القضايا مع الرأي الشرعي، وفجوة أخرى ما بين الفرد وبين الرأي الشرعي. والمشكلة لا تتوقف عند حد الوقوع في الإثم بمخالفة الحكم الشرعي، كي يفكر الإنسان بالتوبة والاستغفار للتخلص من التبعات، بل هي ذات آثار وضعية أيضاً، قد تترتب عليها أحياناً بعض الآثار الاجتماعية الكارثية على مستوى الأفراد. ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك :
ـ هناك نوع من الطلاق يعرف بعنوان طلاق الحاكم، وهو في فقهنا يعني أن يقوم المجتهد الجامع للشرائط بتطليق المرأة من زوجها لسببٍ ما يثبت عنده، على أثر رفع المرأة قضية بهذا الشأن. والأسباب محدودة جداً، لأن الأصل أن العلاقة الزوجية تستمر، وأن الطلاق بيد الزوج نفسه، وهذا هو الوضع الطبيعي، أما عندما يقوم شخص آخر كأب الزوج (الولي) أو الحاكم الشرعي بالتطليق فهذا يعتبر حالة استثنائية ويُلجأ إليها في بعض الموادر الضرورية والاستثنائية.
ـ من هذه الحالات الاستثنائية رفض الزوج الإنفاق على زوجته وهو قادر على ذلك، حتى مع إجبار الحاكم الشرعي، وحينها يأمره الحاكم بتطليق زوجته، فإنْ رفض، يتدخل الحاكم الشرعي بنفسه فيطلقها طلاقاً بائناً لا يستطيع الزوج خلال عدة هذا الطلاق أن يرجع إلى زوجته. وإذا أراد إرجاعها فلابد له من عقد جديد برغبتها ومهر جديد.
ـ وتظهر المشكلة فيما لو لم يكن القاضي مجتهداً جامعاً للشرائط، إمامياً كان أو غير ذلك، وحينها يقع طلاق الحاكم باطلاً ولغواً، وتبقى المرأة ـ شرعاً ـ على وضع الزوجية، وإن كانت من الناحية الرسمية مطلقة. فإذا ذهبت وتزوجت جهلاً منها بالمسألة بطل زواجها الثاني، وحرمت على زوجها الثاني حرمة مؤبدة. ولكم أن تتخيلوا اكتشافها لهذه الحقيقة الكارثية بعد عدة سنوات، وأثر ذلك على البناء المتولدين من هذا الزواج غير الشرعي.
ـ المثال الآخر اللجوء إلى المحكمة السنية في قضايا الأحوال الشخصية، من قبيل الطلاق والخلع وحضانة الطفل والنفقة وغير ذلك، فبعض المحامين يوجّهون الزوجة إلى مثل هذا الأمر على أن تُقسم بالتورية بأنها سنية المذهب، باعتبار أن حكم القاضي هناك سيكون أسرع أو أيسر وأمثال ذلك من المبررات. فلو حدث ذلك فالحكم سيكون بالنسبة إلينا فقهياً غير نافذ، والمال الذي تأخذه المرأة بهذه الوسيلة قد يكون سحتاً، والحضانة قد تكون تصرفاً محرماً إلخ.
ـ المثال الثالث الفسخ، والذي يعني إنهاء الحياة الزوجية دون طلاق، ويتحقق ذلك فيما لو كان هناك عيب في الزوجة أو الزوج، فيعتبر الزواج حينها لاغياً إن أراد أحد الزوجين عدم المضي فيه.. والعيوب محدودة وفق الرأي الفقهي المشهور. ولكن قد يقوم بعض المحامين ـ وفق القانون الساري ـ بتشجيع أحد الطرفين على طلب الفسخ لعيب معين مقبول قانونياً مرفوض شرعياً، ويقع الفسخ وتذهب المرأة لتتزوج بعد ذلك، ثم تكتشف بعد سنوات أنها مازالت على ذمة الأول من الناحية الشرعية. والأمثلة في هذا الباب كثيرة.
ـ المهم في البين هو الاطلاع على الرأي الفقهي لمرجع التقليد بدقة شديدة وبمراعاة الاحتياط في عرض السؤال بحيث لا توجَّه الإجابة لتصب في مصلحتي، بل تُعرَض القضية كما هي ليأتي الجواب الفقهي مطابقاً لواقع القضية.
ـ وهكذا لو صدر حكم قضائي غير مطابق للفتوى، فلابد من تصحيحه بمراجعة الحاكم الشرعي وعدم التهاون في ذلك.
ـ المسألة الأخرى هي التخلي عن التقوى عند حدوث أمثال هذه الخلافات سواء على الطلاق أو المواريث أو حق الحضانة وما إلى ذلك، فالزوج يكذب ويحضر إخوانه ليشهدوا زوراً بأنه ينفق وأنه يعاملها بالمعروف وما إلى ذلك.. والزوجة تكذب وتضخم المشاكل بينه وبين زوجها لتنتقم منه أو لترضخه لسيطرتها.. وتجد أحياناً كثيرة أن بعض المحامين يوجهون موكِّليهم إلى ذلك بغرض مادي بحت، كما تجد أن أصحاب القضية من المصلين الصائمين الحاجين لبيت الله، بل قد يكونون من أهل الحضور الدائم في المساجد والحسينيات ولكن في نهاية المطاف حينما يصبحون على المحك يتخلّون عن ذلك كله في مقابل مكسب مادي أو انتقام وتشفّي أو انتصار لقريب أو صديق ولو بالباطل.
ـ المسألة الثالثة هي عدم الاقتصار على البعد الشرعي عند السؤال عن مثل هذه القضايا، فهي قضايا اجتماعية قد يجيز الشرع ذلك الموقف ولكنه لا يوجبه، وهنا عند الاستفتاء أو عند التفكير لابد من أخذ البعد الاجتماعي بعين الاعتبار.. أحد الأئمة عليهم السلام يسأل عن حرمة شئ فيقول: (حلال إلا أنا أهل البيت نعافه).. فليس كل مباح يُفعل.
ـ ولذا من الضروري أيضاً التفكير في أثر ذلك القرار على الأطفال، أثر ذلك على سمعة الأسرة، كيف سيرتب الإنسان مستقبل حياته، وهل الوضع القادم أفضل من الوضع القائم، هل يتناسب هذا الموقف مع الأخلاق الرفيعة والقيم التي أتبناها، أي المواقف أحب إلى الله.. وغير ذلك.
ـ ولذا لا تتوقفوا عند حد معرفة الجواب الشرعي من المشايخ وعلماء الدين، ولا تقل عندي فتوى بجواز ذلك، بل طالبوا المشايخ والعلماء بالجانب الآخر من الموضوع، وهو الداخل تحت عنوان (الحكمة).. وراعوا أنتم الأمرين.
ـ إن كل ما سبق نلحظه جلياً في الآية الكريمة: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة:231.
5/18/2012