خطبة الجمعة 1 ذوالحجة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية: أول بيت وُضع للناس

- قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران:96-97].
- يمكن استخلاص عدة أفكار من خلال الآيتين الشريفتين، من بينها:
1) إنّ أوّل بيتِ عبادةٍ توحيدية وضعه الله للناس ليحجّوا إليه هو الكعبة الشريفة.
2) لإبراهيم (ع) ارتباط خاص بهذا البيت، فهو الذي رفع قواعده، إما بمعنى أنه أوّل من بناه، أو بمعنى أنه هو الذي أعاد بناءه بعد أن كان مبنياً وانهدم، ودلالة هذا الارتباط هو مقام إبراهيم الذي بقي مجاوراً للبيت الحرام عبر آلاف السنين.
3) أحاط الله هذا البيت بحُرمتين، حُرمة مكانية: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، وحُرمة زمانية:
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) [التوبة:36].
4) الحجُّ إلى بيتِ الله الحرام تشريعٌ مستمر منذ آلاف السنين، ويجب أن يبقى كذلك، والدعوات التي ارتفعت مؤخراً لمقاطعة الحج مخالِفة للإرادة الإلهية.
- ولي هنا تعليقات مرتبطة بهذه الاستخلاصات:
1. تحدَّث بعضُ المفسِّرين عن خصوصية استعمال اسم (بكة) في الآية الأولى، قال العلامة الطباطبائي: (المراد ببكة أرض البيت، سُمّيت بكة لازدحام الناس فيها، وربما قيل إن بكة هي مكة، وأنه من تبديل الميم باء... وقيل: هو اسم للحرم، وقيل: المسجد، وقيل: المطاف).
- ومن المحتمل -أيضاً- أنّ هذا الاستعمال جاء كرسالة إلى أهل الكتاب، ولاسيما اليهود منهم، وفي أكثر من اتجاه:
- أولاً، تنبيه لهم بما جاء في مزامير داود (الزبور) وما فيه من كلام عن الاشتياق إلى الحج، وإلى بيت الله الموجود في وادي بكة!
- ففي الإصحاح 84 جاء النص العربي كالتالي: (تشتاقُ، بل تتوقُ نفسي إلى ديار الرب.... طوبى للساكنين في بيتك، أبداً يسبّحونك... عابرين في وادي البكاء). وهنا وقع التحريف في الترجمة العربية للجملة العبرية (يعبري بعمق هبكه ...)، ففي 14 ترجمة باللغة الإنجليزية جاءت العبارة هكذا (بينما يعبرون وادي بكة) واللفظ هكذا:
As they pass through the Valley of Baka.
- وكأنها رسالة إلى أهل الكتاب، ألستم تقرأون عن اشتياق داود إلى ديار الله، وإلى بيت الله الذي يحجّ إليه الناس والموجود في وادي بكة؟ إن هذا الرسول (محمد) وارث هذا البيت، امتداداً لمؤسسه إبراهيم (ع)، فلماذا لا تؤمنون برسالته؟
- ثانياً، إنّ أوّلَ بيتِ عبادةٍ وضعه الله للناس ليحجّوا إليه هو الكعبة الشريفة، وليس هيكل سليمان، فهيكل سليمان بُني بعد عهد داود الذي اشتاق إلى بيت الله الذي أسسه إبراهيم. فإذا كنتم تتباهون أن بني إسرائيل من ذرية إبراهيم، فلماذا هجرتم البيت الذي رفعَ إبراهيمُ قواعدَه؟ ولماذا تتخذون موقفاً سلبياً من هذا النبي سليل إبراهيم؟ ولماذا تثيرون الإشكالات على قبلة المسلمين كما جاء في سورة البقرة؟
2. كان إبراهيم (ع) قد هاجر إلى أرض كنعان (فلسطين) واستقرّ هناك، وكان محروماً من الذرية، وقد بلغ هو وزوجتُه سارة سناً متقدمة جداً. ثم رُزق مِن أمَتِه هاجر بولد، هو إسماعيل، فاصطحبهما من تلك الأرض المباركة بجوّها ومائها وتربتها ومحاصيلها ومدنيّتها إلى أرضٍ قاحلة غير مسكونة (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) [إبراهيم37].
- ما يُقال بأن السبب الرئيس لهذه الهجرة هو الغيرة النسائية كلام غير سليم، ورواية إسرائيلية متأثرة بما جاء في التوراة الحاضرة، بينما القرآن الكريم يؤكّد البُعد الرسالي في الهجرة: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ) [إبراهيم37]، فالغاية هي تأسيس -أو إعادة تأسيس- البيت الحرام، وتأسيس البلد الحرام مكة، وغرس بذرة التوحيد في الجزيرة العربية، والتهيئة لإعلان الحج.
3. ما السر في كون بيت الله الحرام في هذه المنطقة الجغرافية غير المميَّزة من حيث الظروف الطبيعية؟ لا الجو ولا الزرع ولا المناظر؟ أكان يُعجز الله أن يجعل بيته في أجمل بقعة على وجه الأرض؟ يجيب الإمام علي (ع) عن ذلك في الخطبة [192] من نهج البلاغة والمسماة بالخطبة القاصعة: (ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ، وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ، وَقُرًى مُنْقَطِعَةٍ، لَا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَلَا حَافِرٌ وَلَا ظِلْفٌ).
- لماذا؟ يجيب (ع): (وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ، وَسَهْلٍ وَقَرَارٍ، جَمَّ الْأَشْجَارِ، دَانِيَ الثِّمَارِ، مُلْتَفَّ الْبُنَى، مُتَّصِلَ الْقُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ، وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ، وَعِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ، وَرِيَاضٍ نَاضِرَةٍ، وَطُرُقٍ عَامِرَةٍ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ) لماذا؟ (عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلَاءِ). الاختبار سيكون يسيراً.. ليست له قيمة كبيرة.. فعندما تضع مسابقة صعبة تكون الجوائز الكبيرة مستحقَّة.. أما عندما تكون المسابقة سخيفة وتضع جوائز كبرى، فلن يكون للفوز بها قيمة.
- فالماديات تُبهر الناس، وسيكون الإيمان بالرسالة من خلال هذا البُعد المادي أمراً يسيراً، وهذا ما لا يريد الله تعالى، حيث يريد أن يكون الإيمان عن قناعة عقلية لا باندفاع عاطفي، وحينها سيكون الإيمان قوياً.
- ولذا قال (ع): (وَلَوْ كَانَ الْإِسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا، وَالْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَنُورٍ وَضِيَاءٍ، لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ).
- الغاية الثانية تتمثل في التربية الإيمانية... فمرور الإنسان بالشدائد يَصقلُه، ويُحسِّن معدنه... لاحظ في الألعاب الرياضية المختلفة، وفي العسكرية، وفي الدراسة الجادة، لتكون لديك مُخرجَات قوية، لابد من أن تتشدّد في الإعداد، ولذا قال (ع): (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ).
- الغاية الثالثة: الهدايا والعطايا الإلهية الأخروية في مقابل استحقاقات، وهي لا تتحصل بسهولة.. هناك أثمان باهظة يجب أن يدفعها، ليُثبت أنه يستحق الجنة، ولذا قال (ع): (ابْتِلَاءً عَظِيماً وَامْتِحَاناً شَدِيداً وَاخْتِبَاراً مُبِيناً وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ).
- وهكذا، فإنّ الابتلاءَ العظيمَ الذي يعيشُه المقاومون وأهلُ غزةَ اليوم في المواجهة الممتدّة خلالَ الأشهر الماضية مع الكيان الصهيوني، ومَع مَن يَرفِدُه بالمالِ والسلاحِ والعَتادِ والطعامِ ومقوِّماتِ الحياة، والصبرَ في هذا الطريق، وتقديمَ التضحياتِ الجِسام، هو الثمنُ الذي ارتضَوا أن يُقدِّموه قرباناً لوجهِ الله، وقد بيّن الله تعالى أنّ ما يعقُبُ هذا الزلزالَ العظيمَ هو النصرُ في الدنيا، والفوزُ بجنّتهِ في الآخرة: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).