خطبة الجمعة 23 ذوالقعدة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية: التضارب في القرآن

- بعد أن تحدثت في الخطبة الأولى عن تفسير القرآن بالقرآن، ذكرت أن في البين عنواناً آخر منهي عنه في بعض الأحاديث وتم التحذير منه، وهو عنوان (ضرب القرآن بالقرآن).
- في ثواب الأعمال للصدوق: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ما ضرب رجلٌ القرآنَ بعضَه ببعضٍ إلا كفَر) والكفر هنا بالمعنى العام، لا الخروج من الإسلام.
- واعتبر البعض أن المراد بذلك هو تفسير القرآن بالقرآن، وهذا خطأ، فالمراد بذلك عرض آيات من القرآن على آيات أخرى لا بغرض الفهم، بل بغرض التشكيك والتخطئة، كما نقول: (كلامك متضارب) أي يناقض بعضه بعضاً، أو نقول: (الأنباء متضاربة) أي يناقض بعضها بعضاً... والرواية التالية تؤكد هذا المعنى:
- في الطبقات الكبرى لابن سعد، عن وَلَدي عمرو بن العاص: (ما جلسنا في عهد
رسول الله (ص) وكنا أشد اغتباطاً مِن مجلسٍ جلسناه يوماً، جئنا فإذا ناسٌ عند حُجَر رسول الله (ص) يتراجعون في القرآن، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسولُ الله خلفَ حُجَرٍ يسمعُ كلامَهم، فخرجَ علينا رسولُ الله مغضَباً، يُعرَف ذلك في وجهِه، حتّى وقفَ عليهم، فقال: أيْ قَوم، بهذا ضلَّت الأممُ قبلَكم، باختلافِهم على أنبيائِهم، وضربِهم الكتابَ بعضَه ببعض. إنّ القرآنَ لم ينزل لتَضرِبوا بعضَه ببعض، ولكن يُصدِّق بعضُه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمِنوا به، ثم التفتَ إليّ وإلى أخي، فغبطْنا أنفسنا أن لا يكونَ رآنا معَهم).
- وروى الصدوق في كتابه التوحيد: (يا أمير المؤمنين، إني قد شككتُ في كتاب الله المنزَل، قال له [ع]: ثَكِلَتْكَ أمُّك. وكيف شككتَ في كتابِ الله المنزَل؟! قال: لأني وجدتُ الكتابَ يُكذِّبُ بعضُه بعضاً، فكيف لا أشكُّ فيه. فقال علي بن أبي طالب [ع]: إن كتاب الله ليُصدّق بعضُه بعضاً، ولا يُكذّب بعضُه بعضاً، ولكنك لم تُرزَق عقلاً تنتفعُ به، فهاتِ ما شكَكْت فيه مِن كتاب الله عز وجل...) وبعد أن استمع إلى موارد التعارض المدّعاة، ردّ على إشكالاته، وبيّن المراد مما جاء في الآيات بما يرفع التعارضَ الظاهريَّ بينها.
- ولنأخذ مثالاً مِن حادثةٍ وقعت على عهد الإمام الصادق (ع)، ففي الكافي بالسند: (سأل ابن أبي العوجاء) من الزنادقة (هشامَ بن الحكم فقال له: أليس الله حكيما؟ً قال: بلى وهو أحكم الحاكمين، قال: فأخبرني عن قوله عز وجل: [فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً]) النساء:3 (أليس هذا فرض؟ قال: بلى، قال: فأخبرني عن قوله عز وجل: [وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ]) النساء:128 (أيُّ حكيم يتكلم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب، فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد الله [ع] فقال:يا هشام، في غير وقت حجٍّ ولا عُمرة؟ قال: نعم جعلت فداك، لأمرٍ أهمّني، إن ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء. قال: وما هي؟ قال: فأخبره بالقصة فقال له أبو عبد الله [ع]: أما قوله عز وجل: [فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً] يعني في النفقة، وأما قوله: [وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ] يعني في المودّة) لاحظوا أن الإمام أتمّ مقطعاً من الآية لبيان المراد منها (قال: فلما قدم عليه هشام بهذا الجواب وأخبره قال: والله ما هذا مِن عندك).
- لقد وصف الله تعالى كتابَه العزيز بأنه نزَل: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء:195]، وقال سبحانه: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:52]، وقد تحقّق جانبٌ مِن وضوحِ القرآن وتفصيلِه مِن خلالِ إمكانيةِ تفسيرِ بعضِه ببعض، وهو بحسبِ تعبيرِ بعضِ العلماءِ أحسنُ أقسامِ التفسير، بالمعنى الواسعِ للتفسير، والذي يَشمُلُ التطبيقَ الخارجيَّ لها، وأسبابَ النزول، والتخصيصَ، والتقييدَ، والنسخَ، وغير ذلك. وأما النهيُ عن ضربِ القرآنِ بعضِه ببعضٍ كما جاء في بعض ما رواه المسلمون، فهو لا يعني تفسيرَ القرآنِ بالقرآن، بل يخصُّ صوراً من الجِدال والمخاصمةِ رغبةً في إثباتِ وقوعِ التضاربِ والتعارضِ والاختلاف بين آيات القرآن الكريم، سعياً للطعنِ في كونِه كلامَ الله، وكتاباً مُنزَلاً من عندِ العزيزِ الحكيم.
أخيراً نتوقفُ عند غزة، وقد تابعتُم -قبل أيام- الجريمةَ المروِّعةَ التي عُرفَت باسمِ (مَحرقةِ الخِيام) في رفح، حيث دعا الجيشُ الصهيونازي أهاليَ غزة للتوجهِ إلى هذه المِنطقةِ باعتبارها مِنطقةً آمنة، حتى إذا جنّ الليل، قصفَ النازحين المنكوبين الآمنين وهم نيام، فأحرقَ وقطّعَ وقتلَ وجرحَ أكثرَ مِن مائتين، كان نصيبُ الأطفالِ والنساءِ منهم بالعشرات، ليُبرّرَ جريمتَه الوحشيةَ لاحقاً -وبكلِّ وقاحة- بأنّ الأمرَ لم يكن سوى خطأ، مع كلِّ ما يدّعيه مِن تَحرّي الدقةِ الاستخباراتية، واستخدامِ القنابلَ الذكية، والطائراتِ التجسسية. إنّ الموقفَ الدوليَّ الباردَ أو الخجولَ تجاهَ هذه الجريمةِ وأمثالِها -كان وما زال- يساعدُ الكيانَ الصهيونازي على الاستخفافِ بالدمِ الفلسطينيّ أكثرَ وأكثر، وهو ما يؤكّدُ على أنّ الحقّ الفلسطيني لم ولن يعودَ لأصحابِه إلا بمنطقِ القوةِ والمقاومةِ والصمودِ والتضحيات.