خطبة الجمعة 23 ذوالقعدة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الأولى: تفسير القرآن بالقرآن

عندما يتحدث العلماء عن تفسير القرآن الكريم، فإنهم -في كثير من الحالات- لا يقصدون شرح المعنى فحسب، بل وبما يشمل أسباب النزول، وتحديد الأشخاص المعنيين والأزمنة والأمكنة والأحداث، علاوة على التطبيقات الخارجية المستقبلية لما جاء في الآيات، وشرح ما فيها من أحكام وحِكم وآداب، وموارد التخصيص والتقييد والنسخ... إلخ.
- وهناك مناهج متعددة لذلك، من بينها تفسير القرآن بالقرآن.
- وتدل بعض الشواهد على أن المسلمين عرفوا هذا المنهج التفسيري منذ عهد النبي(ص) وبما يخدم أبعاداً متعددة في العلاقة بكتاب الله عز وجل. ومن بين تلك الأبعاد:
1. فهم المراد من الآية... في كتاب (التوحيد) للشيخ الصدوق، يبيّن الإمام الباقر (ع) معنى آية قرآنية، ويردّ أيضاً على شبهة تجسيم الذات الإلهية من خلال اعتماد طريقة تفسير القرآن بالقرآن: (عن محمد بن مسلم قال: سألتُ أبا جعفر [ع] فقلت: قوله عز وجل: [يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ]؟ فقال: اليد في كلام العرب: القوة والنعمة) وفي هذا رد ضمني للقول بأن لله يداً جسمانية. ثم بيّن المراد من اليد في تلك الآية بما ورد في آيات أخرى، ولذا قال: (قال الله: [وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ]، وقال: [وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ]، أي بقوّة، وقال: [وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ] أي قوّاهم، ويقال: [لفلان عندي أيادي كثيرة] أي فواضل وإحسان، و[له عندي يدٌ بيضاء] أي نعمة).
2. تحديد المصداق الخارجي لما ورد في الآية... في سورة الفاتحة نقرأ: (اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) من هم الذين أنعم الله عليهم هنا ونطلب أن يهدينا الله إلى صراطهم؟ صراط الذين أنعم الله عليهم بالمال؟ بالصحة؟ بالجاه؟ بكثرة الذرية؟
بالعلوم الطبيعية؟ بالهداية ومعرفة الدين واتباعه؟ أم بكل ذلك؟
- الرواية التالية تبيّن أن الإمام العسكري (ع) يجيب عن هذا التساؤل عن طريق تفسير القرآن بالقرآن، ففي معاني الأخبار للصدوق بالسند عنه (ع): (أي قولوا: اهدنا صراطَ الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك) بغض النظر عمّا إذا كان قد أنعم الله عليهم بالمال أم لا، بكثرة الذرية أم لا، بالجاه أم لا، بالعلوم الطبيعية أم لا.
- ولماذا لا يشمل الآخرين؟ (قال: ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال وصحة البدن، وإن كان كل هذا نعمة مِن الله ظاهرة، ألا ترون أنّ هؤلاء قد يكونون كفاراً أو فساقاً؟).
- ثم يحدّد الإمام (ع) المصاديق الخارجية للذين أنعم الله عليه لنعرف معالم الصراط المستقيم، قال: (وهم الذين قال الله عز وجل: [وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا]) أي إذا أردت أن تعرف معالم هذا الصراط فعليك بتتبع سيرة هؤلاء كما جاءت في القرآن.. وهذا من تفسير القرآن بالقرآن بتحديد المصاديق الخارجية.
3. تخصيص العموم، أو تقييد المطلق المذكور، أو تفصيل المجمَل في الآية... في تفسير الصافي للفيض الكاشاني عن ابن مسعود، حول قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام:82]، قال: (لما نزلت هذه الآية، شُقّ على الناس، وقالوا: يا رسول الله، وأيُّنا لم يظلم نفسه) الشرك ظلم – عقوق الوالدين ظلم – أكل المال بالباطل – السرقة – الكذب (فقال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح [ع]: [يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ]).
- ولعل ما في نهج البلاغة من قول علي (ع): (كتابُ الله تُبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطقُ بعضُه ببعض، ويشهدُ بعضه على بعض) إرشاد لذلك.
- وقد سئل السيد الخوئي -كما في صراط النجاة- عن: (تفسير القرآن بالقرآن، ما تقولون فيه؟ وهل يصح فهم بعض الآيات من خلال آيات أخرى؟ فأجاب: أحسن التفسير تفسير القرآن بالقرآن، حيث يمكن فهم معنى الآية من خلال آيات أخرى).
- في مقابل ذلك، هناك عنوان آخر نُهي عنه في الأحاديث وتم التحذير منه، وهو عنوان (ضرب القرآن بالقرآن)، واعتبر البعض أن المراد بذلك هو تفسير القرآن بالقرآن، ولذا نهوا عنه، ولكن هذا الادعاء غير سليم، وسأبيّن في الخطبة الثانية بإذن الله تعالى ما هو المراد من عنوان (ضرب القرآن بالقرآن).