خطبة الجمعة 16 ذوالقعدة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية: بائع البيتزا

- مقطع فيديو انتشر قبل أيام يُظهر طفلاً صغيراً من غزة وهو لا يتجاوز السادسة من عمره [اعرض الشريحة] حافي القدمين، رث الثياب، يُمسك بيديه الصغيرتين إناءً مغطى بقطعة من الخيش الممزّق، ويطلب من المصور -بانكسار ورجاء شديد- أن يشتري منه قطعة بيتزا بشيكل، أي أقل من 100 فلس [ربع دولار تقريباً]، ويُخبره عن اضطراره لذلك لأن أسرته لم تعد تملك شيئاً من المال... أود أن أعلّق على هذا المشهد في نقاط:
1. مبلغ الحصار والاضطهاد والتجويع في غزة بلغ مراتب عالية جداً على الرغم مِن كل الادعاءات الإعلامية حول فتح المعابر، وتقديم المساعدات، والميناء الإنساني.. إلخ.
2. فلندرك قيمة النِّعَم التي نتمتّع بها، ولربما نُسرف فيها إلى أبعد الحدود، ولُنعلّم صغارَنا أيضاً قيمة ما يرمونه من بقايا الطعام بكل استهتار بعد قضمة أو قضمتين.
3. تحمُّل طفل في هذا العمر مثل هذه المسئولية، وبمثل هذا الوضع البائس والخطير في آن واحد بمثابة مدرسة للأطفال حول تحمّل المسئولية.
- الاتكالية على الآخرين في أبسط الأمور ظاهرة ملحوطة لدى شريحة من الشباب.
- تدخل إلى مكان عام، تجد الشاب يرمي مخلفاته ويترك الحاجيات التي استعملها، لأنه تعوّد على وجود شخص بمثابة الخادمة يُنجز عنه كل شيء، ويأتي له بكل شيء.
- ترى المركبة واقفة عند مطعم أو مقهى، وفجأة يُفتح الشباك، وتُرمَى أكياس وبقايا طعام... وعندما تسأل الفرد المعني عن سبب تصرفه بهذه الصورة، يجيبك بكل بساطة: ما وظيفة عامل النظافة إذاً؟
- أتمنى من أولياء الأمور، ومن القائمين على البرامج والدورات الصيفية أن يعرضوا مثل
هذه المقاطع على الأطفال، وأن يشرحوا دلالاتِها عليهم لتتغير لديهم المفاهيم، وليعرفوا أن هناك نمطاً آخر من الحياة غير هذا النمط الذي اعتدوا عليه في الدلال والاتكالية.
- تعليم القرآن والعقيدة والفقه وما إلى ذلك في الدورات والبرامج الصيفية مهم، ولكن يحتاج القائمون على هذه الدورات أن يرصدوا مواطن الخلل في سلوكيات الأطفال مما تشكّل ظواهر متكررة... ابتداءً من تنظيم الأحذية عند باب انعقاد الدورة، مروراً بالنظافة العامة، والتبرّع في خدمة البيئة التي يتواجدون فيها، والاعتماد على النفس، والاقتصاد في المصرف، وغير ذلك.
4. ضرورة الاستمرار في تقديم المعونة إلى أهل غزة المحاصَرين، وعدم نسيانهم بتقادم الأيام، ولاسيما مع الانشغال بالاستعداد للسفر في الإجازة الصيفية.
إنّ الاعترافَ الرسميَّ لعددٍ مِن الدولِ الأوربيةِ بدولةِ فلسطين، ثم إعلانَ المدّعي العامِ للمحكمةِ الجنائيةِ الدوليةِ عن تقديمِ طلباتٍ إلى المحكمةِ لاستصدارِ أوامرَ اعتقالٍ بحقِّ رئيس الوزراء الصهيوني، ووزيرِ دفاعه بِتُهم ارتكابِ جرائمَ حرب، وإبادةٍ إنسانية، والقيامِ -بشكلٍ ممنهج- بحرمانِ أهلِ غزةَ مِن أساسيات الحياة، والتواطؤِ في التسببِ بمعاناةِ وتجويعِ المدنيين فيها، ذاك الاعتراف وهذا الإعلان وإنْ جاءَا متأخرين كثيراً، إلا أنهما جاءَ -وببركةِ طوفانِ الأقصى- بمثابةِ ضربةٍ سياسيةٍ قوية تتوجَّه ولأوّلِ مرّة للكيانِ الغاصب، ويجعلُها في وضعٍ دوليٍّ حَرِج بعد أن كانت طوالَ عقودٍ مِن الزمن فوقَ القانون، وأبعدَ ما يكون عن المحاسبةِ والتجريمِ مهما ارتكبَت مِن جرائمَ موثّقةٍ وفظيعة. وهذا ما بيّنه المدّعي العام أيضاً حين تحدّث عن حجمِ الضغوطِ الدوليةِ والشخصيةِ التي مورست عليه كي يمتنع عن تجريمِ الكيانِ ومجرمي الحربِ فيه. وإذا كان بعضُ كبارِ الشخصياتِ الإسرائيلية قد عبّروا عن القرارِ الدوليِّ بأنه كارثةٌ تحلُّ بكيانِهم اللقيط، فإننا ندعو الله تعالى أن يُعجّل في اليوم الذي يقتصُّ فيه أهلُ فلسطين مِن القومِ الظالمين.