خطبة الجمعة 16 ذوالقعدة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الأولى: قلب ولسان وعمل

- عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) أنه قال: (الإيمانُ عقدٌ بالقلب، ولَفظٌ باللسان، وعَملٌ بالجوارح. لا يكون الإيمان إلا هكذا).
- فعندما يدّعي الإنسان في الأوضاع والظروف الطبيعية أنه مؤمن بقلبه، ولكنّ هذا الإيمان لا ينعكس على لسانه، وفي ثنايا كلامه، بما يدلّ على مصداقيته في ادّعاء الايمان، فهناك إذاً خلل في البين.
- نعم في الأوضاع الاستثنائية، كوضع التقية الذي عاشه مؤمن آل فرعون، فهذا أمر مختلف: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ...) [غافر:28].

- وهكذا عندما يدّعي الإنسان في الأوضاع والظروف الطبيعية أنه مؤمن بقلبه، ولكن هذا الإيمان لا ينعكس على مستوى العمل، بأداء الصلاة، وتزكية المال، وغير ذلك مما عَلِمَ بأن الله تعالى يريد ذلك منه، فهذا يدل على أنّ في البين خلل، وعليه أن يُراجِع نفسه.
- ولذا عندما ذُكر الإيمان في بدايات سورة البقرة، اقترن ذلك بذِكر نموذجين من نماذج العمل قبل إتمام ذِكر سائر أسس الإيمان، بما يدل على أن العمل الصالح غير منفك عن التصديق القلبي: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [البقرةة:1-3].
- وقد ذكر بعض اللغويين أن أصل مفهوم كلمة (الإيمان) مشتق من الأمن، وسكون القلب، والطمأنينة، ودفع الخوف والخطر.
- وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الإيمان، ففي الدنيا: (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ) [الرعد:28].
- وعند الموت وفراق هذه الحياة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر:27-30].
- وفي الآخرة: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سبأ:37].
- ولا شك أنه في زحمة التحديات والأزمات التي نواجهها، وسرعة إيقاع الحياة التي نعيشها، فإنّ كلاً منّا يسعى للبحث عن تحقيقِ مستوىً من الحياة المطمئنة، ولو بدرجةٍ مقبولة، لنفسِه ولأسرته، ومن شأنِ الإيمان بمفهومه المتكامل أن يُحقّق ذلك.
- ولكن ارتقاء الإيمان إلى المستوى الذي يُحقِّق الطمأنينة بحاجة إلى عدة أدوات، مِن بينها العلمُ والمعرفةُ بالأمور التي تُحقّق ذلك... فالعلم شيء، والإيمان شيء آخر، ولنلاحظ قوله تعالى: (وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ) [الروم:56].
- والعلمُ الذي يؤسَّس في مرحلةٍ مبكرةٍ مِن العمر يكون ذا أثر أكبر مقارنةً بما يأتي في زمنٍ متأخرٍ مِن عُمر الإنسان، وهو يُحقّق التحصين من الهجمات الفكرية والسلوكية بدرجة أعلى، وفي الحكمةِ العَلَوية: (العلمُ في الصِّغَر كالنقشِ في الحَجر).
- وفي حديث الصادق (ع): (بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة)، حيث كان المرجئة يمثّلون حالة انحرافية في الدين.
- بعض أولياء الأمور عندما يشتكون من انحراف أبنائهم على مستوى الدين، أو المذهب، أو الالتزام الديني، كالصلاة واللباس الشرعي للفتيات، فإن أوّل سؤال نطرحه يرتبط بمدى عناية أولياء الأمور بتعليم أبنائهم في مرحلة عمرية مبكرة، سواء بشكل مباشر مِن قبلهم، أو من خلال بعض البرامج التعليمية والتربوية العامة، وعادة ما تأتي الإجابة سلبية.
- لاحظ عناية الإمام الرضا (ع) بابنه الجواد (ع) وهو في السابعة أو الثامنة تقريباً من عمره، والإمام على بُعد آلاف الكيلومترات في مدينة مرو، وطرق التواصل والاتصال في وضعها القديم: (عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: قرأت كتاب أبي الحسن الرضا [ع] إلى أبي جعفر: يا أبا جعفر، بلغني أن الموالي إذا ركبتَ أخرجوك من الباب الصغير، فإنما ذلك مِن بخلٍ بهم، لئلا ينال منك أحدٌ خيراً، فأسألك بحقّي عليك، لا يكن مدخَلُك ومخرجُك إلا من الباب الكبير، وإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة) دنانير ودراهم (ثم لا يسألك أحد إلا أعطيته، ومن سألك من عمومتك أن تبرّه فلا تُعطه أقل من خمسين ديناراً، والكثيرُ إليك، ومن سألك مِن عمّاتك فلا تُعطها أقلّ مِن خمسة وعشرين ديناراً، والكثير إليك. إنى أريد أن يرفعك الله. فأنفِق ولا تخشَ مِن ذي العرش اقتاراً).
- من هنا، تبرز أهمية البرامج الصيفية لتعليم الناشئة، والتي تُعقَد في المساجد والمراكز وغيرهما، وقد أثمرت على مدى عقود في تقديم أجيال من المؤمنين والمؤمنات.
- بالطبع، فإنّ مثل هذه البرامج لا تكفي لوحدها لتُحقّق طموحاتنا الإيمانية في أبنائنا، ولكنها خطوة مهمة جداً وفي الاتجاه الصحيح، وهي من البرامج التي نفتخر أن المجتمع الكويتي سبّاق فيها، وقد أبدع القائمون عليها طوال العقود الماضية، وصارت بمثابة مدرسة ومرجعاً في هذا الإطار لمجتمعات أخرى.
- نتمنّى من أولياء الأمور الاهتمام بإشراك أبنائهم وبناتهم في البرامج والدورات الصيفية التي تُعقَد في المساجد والحسينيات والمراكز الإسلامية، وعدم التقصير في مساعدة القائمين عليها، سواء بالتطوّع والجهود الشخصية وتقديم الخبرات، أو من الناحية المادية، وقد لوحظ أن بعض أولياء الأمور إذا ما ألحقوا أبناءهم ببعض الدورات الرياضية أو الفنية لم يبخلوا في دفع اشتراكاتٍ بمبالغَ طائلة، بينما يستثقلون دفع جزء بسيط من تلك المبالغ للدورات والبرامج الدينية، وهو ما نرجو مراعاتَه والأخذَ بعينِ الاعتبارِ مدى الجهودِ والأموالِ المبذولة في طريق إنجاحها، والدعمُ المادي سيُسهم في تطويرِ أدائها بصورة أكبر، ويُعينُها على تقديم خدماتٍ أكثر. نسأل الله تعالى السدادَ والتوفيقَ والأجرَ الجزيلَ لكلِّ مَن يُسهِم في تأسيسِ وإنجاحِ تلك المشاريعِ التربويةِ والإيمانية، إنه سميع مجيب.