خطبة الجمعة 9 ذوالقعدة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية: العنف اللامشروع

- الشعور بالقوة قد يدفع بالإنسان إلى استعمال العنف.. والخوف من أمرٍ ما قد يدفع بالإنسان إلى استعمال العنف.. والتخلي عن الإنسانية وتغوّل الروح الإجرامية قد تدفع بالإنسان إلى استعمال العنف.. والدفاع عن النفس قد يدفع بالإنسان إلى استعمال العنف.. والمحافظة على شيء ثمين -مادياً كان كالمال أو معنوياً كالدين- قد يدفع بالإنسان إلى استعمال العنف.. ومعاقبة المجرم قد تدفع بالإنسان إلى استعمال العنف.
- من الأمثلة السابقة يتضح أن استعمال العنف ليس أمراً سلبياً على الدوام، كما أنه ليس بالأمر الإيجابي على الدوام، من هنا نفهم لماذا نجد بعض الآيات القرآنية توصي بالرأفة والرحمة والعفو، بينما نشهد القسوة واستعمال القوة والعنف في آيات أخرى.
- مثلاً نجد الآيات التالية حول الرأفة والرحمة والعفو:
- مع المؤمنين: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) [آل عمران:159].
- مع المشركين: (قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الجاثية:14].
- مع أهل الكتاب: (... وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة:13]
- وفي المقابل نجد الآيات التالية المليئة بالقسوة واستعمال القوة والعنف:
- مع المشركين: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) [التوبة:14-15].
- مع أهل الكتاب: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة:29].
- ولا وجود للتناقض هنا بين الآيات، بل هي خاضعة لمتغيّرات المواقف.
- ولكن الأصل هو التعامل بالرفق والرأفة والرحمة مع الجميع: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107]، فإذا تطوّرت الأمور بصورة يستغل فيها الطرف المقابل هذا الأسلوب في التعامل، فيطغى، ويعتدي، ويستعمل العنف، ويصرّ على العدوان، ويتآمر، ويخون، وينقض العهود والمواثيق، فإنه لا يُبقي مجالاً للتعامل المتسامح معه حينذاك.
- ولذا يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) هذا هو الأصل، ولكن قد تتعقد الأوضاع إلى المستوى الذي ذكرناه، ولذا تُكمل الآية لتقول: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحديد:25].
- وقد تضطر إلى تكون في حالة وسطية ما بين العفو والتسامح من جهة، واستعمال القوة والعنف من جهة أخرى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال:60]، وهو ما قد يُعبَّر عنه بعنوان (توازن الرعب).
- مما سبق يمكننا القول أن في البين عنفاً مشروعاً وآخر غير مشروع.. وقد تتداخل صور من العنف اللامشروع ضمن العنف المشروع.
- حول القصاص من القاتل العمدي: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) بالقصاص، وهذا عنف مشروع (فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ) [الإسراء:33]، بأن يقتل أكثر من شخص في مقابل المقتول، وهذا عنف غير مشروع.
- ولذا نجد في نهج البلاغة عن علي (ع): (ألا لا تَقتُلُنّ بي إلا قاتلي. انظروا إذا أنا متّ مِن ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة) هذا عنف مشروع ضمن القصاص (ولا تمثلوا بالرجل؛ فإني سمعت رسول الله [ص] يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور) وهذا عنف غير مشروع.
- عندما يضطر المعتدَى عليه إلى أن يردّ العنف بالعنف في الحرب، فهذا عنف مشروع: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة:190].
- ولكن عندما يقتل غيرَ المحاربين كالأطفال والنساء والعجزة، ويستعمل أسلحة دمار شامل، أو أسلحة محرمة دولياً، وأمثال ذلك، فهذا من العنف غير المشروع، لأن للحروب ضوابطَها وشرائعَها وأخلاقها التي يُفتَرض أن تراعى.
- دراسة أعدّتها (جامعة كامبردج) البريطانية تحت عنوان (تاريخ العنف العالمي) تضمنت أنه: (في كل المناطق التي غزاها الأوروبيون أصبح مفهوم [الحضارة] مرادفاً للعنف. وغالباً ما استُخدم لتبرير الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والاستعباد ضد السكان الأصليين) تماماً كما هي دلالة كلمة (استعمار) من الإعمار، بينما هي تدمير.
- يذكر (آميتاف غوش) الباحث في (جامعة هارفرد) في كتابه (التاريخ المضاد للحداثة) بأنه: (خلال الاستعمار الأوروبي، تم القضاء على شعوب بأكملها مقابل الحصول على بعض الثروات، معتبراً أن ذلك يثير شكوكاً كبرى بشأن حقيقة بعض المفاهيم مثل [الكشوفات الكبرى والحضارة والحداثة]، وأنها مفاهيم تُخفي وراءها تناقضات كبيرة).
- على سبيل المثال، ذكرت صحيفة (لي بوا) Le Point الفرنسية، وتحت عنوان: (12 ديسمبر 1098.. يوم التهم الصليبيون لحوم سكان معرة النعمان) الواقعة في سورية، أن (غذاء أفراد جيش الصليبيين في حملته للاستيلاء على القدس لم يكن سوى لحوم المسلمين من سكان المدن التي يتم الاستيلاء عليها، وركز التقرير على المجزرة التي راح ضحيتَها عشرون ألفاً من سكان مدينة معرة النعمان، ونقل عن بعض الغزاة بأنهم كانوا شهوداً على غلي أجساد المسلمين في القدور، وتقطيع لحوم الأطفال على أسياخ لالتهامها مشوية، بل كان البعض يبادر إلى نهشها وهي نيّة).
- وفي مقال نشره الباحث الفرنسي بجامعة (السوربون) (جيل فيمي) تحت عنوان: (المستوطنون الأوروبيون.. هؤلاء القتلة) ذكر أن: (فرقة عسكرية هولندية قامت في القرن السابع عشر الميلادي بحرق قرية بجميع سكانها، وفي أقل من شهرين تمت إبادة سكان جزر باندا لإفساح المجال أمام شركة هولندية لاستغلال الأرخبيل).
- وجاء في تقرير لمجلة (لونوفل أوبسرفاتور) Le Nouvel Observateur الفرنسية، أن الاستعمار البلجيكي للكونغو لجأ إلى سياسة قطع أيدي كل الذكور في أي قرية لم تجلب (ما يكفي) من المطاط أو العاج، حتى باتت الكونغو في تلك الفترة تعرف ببلاد الأيادي المقطوعة. وإذا استمرت القرية في عدم توفير (المطلوب) تُباد عن بكرة أبيها.
- إنّ الصور السابقة مِن العنف غير المشروع في أجواءِ الحروب وخارجِها يجعلنا ندرك بصورة أكبر ما وراء أبشع صور العنف والهمجية التي يمارسها الصهاينة اليوم في غزة ضمن ما يسمّونه (العقيدةَ القتاليةَ للجيش الإسرائيلي)، وكذلك ما ارتكبته أيديهم من جرائمَ ومجازرَ -مِن قَبْلُ- خلالَ احتلالِهم للأراضي الفلسطينية وغيرِها، بعد أن وفدوا مِن الشَّتات الغربيّ صاغرين، كما ويجعلنا ندركُ أيضاً ما وراءَ صمتِ، بل واستمرارِ دعمِ دولٍ عديدةٍ للكيان الصهيوني بأنواع السلاحِ الفتاكِ على الرغم مِن كل الاعتصاماتِ والمظاهراتِ التي انطلقت في العالمِ بدافعٍ إنسانيّ، احتجاجاً على الوحشيةِ الصهيونية، وللمطالبةِ بحقِّ الفلسطينيينَ في إقامةِ دولتِهم، ورفعِ الظلمِ عنهم. لقد علّمَنا التاريخُ أنّ ثمنَ دماءِ المقاومينَ والأبرياءِ لا يمكن أن يكون سوى الحريةِ والكرامةِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200].