خطبة الجمعة 2 ذوالقعدة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية: قطع يد السارق

- ذكرتُ في خطبة سابقة إلى أنّ أوّل ما يتبادر إلى ذهن البعض عند الحديث عن تطبيق الشريعة عبارة عن: عقوبات قطع اليد، والرجم، والجَلد، وما إلى ذلك... وخطّأت هذه الفكرة، وقلت أنّ هذا آخر اهتمامات الشريعة.
- وذكرت أيضاً أن بعضَ الخطابِ الديني الفاشل عمل على تقديم الدين من هذه الزاوية، وكذلك بعض التجارب، كتجربة داعش وأخواتها وبعض الأنظمة المعاصرة التي بمجرّد أن ادّعت أنها تريد تطبيق الشريعة، سنّت قوانين العقوبات.
- ولكي نفهم نظرة الإسلام لهذه العقوبات، فلنلاحظ الأمور التالية:
1. مسألة العقوبات الشرعية تأتي كمرحلة متأخرة تسبقها مرحلة تأسيسية للقواعد التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي إيمانياً وأخلاقياً وعملياً، ومن ثَم تترتب العقوبة في ما لو تم ارتكاب جريمة ما، وثبتت على الفرد بصورة لا مجال للشك فيها.
- أي لابد أوّلاً من التوعية والتربية، ولابد من تهيئة الأرضية لتحقيق العدالة الاجتماعية، ولابد من توفير أجواء العفة والحياء وسائر الأسس الذي ينبني عليها المجتمع بشكل سليم.
- لم يتحدث القرآن الكريم عن عقوبات الجرائم إلا بعد بيان وتأسيس تلك القواعد وترسيخها، فأخذت مداها في المجتمع بالمستوى الذي استوعب معه المسلمون ما هو مطلوب منهم، وما هو ممنوع عليهم، وأدركوا أهميتها بالتجربة الميدانية.
- لذا تجد أحكام العقوبات في سورة النساء والمائدة والنور، وهي نازلة في السنة6 أو بعد.
- فالإسلام يسعى إلى أن تكون هناك حالة من الردع الذاتي والرقابة الشخصية، والتي ستكشف حينها عن أنّ مَن يتعدى ويرتكب الجريمة إنما هو شخص معقّد، أو ذي نوازع إجرامية، أو شخص متمرّد على قيم المجتمع الآمن وأوضاعه، وبذا يستحق العقوبة.
- وهكذا، نجد أن القرآن قبل أن يتحدث عن حدّ السرقة في الآيتين 38-39 من سورة المائدة، تحدّث عن الوفاء بالعقود.. ثم استعرض ماهية العقود والمواثيق التي يجب الالتزام بها.. ثم استعرض نماذج من مواقف الأمم ومدى وفائها أو خيانتها وعاقبة ذلك.
- أي أن هذه العقوبة الشديدة تأتي بلحاظ أن جريمة السرقة ليست جريمة شخصية فحسب، بل هي ضربة موجّهة لأمن المجتمع، لأنها نقض للميثاق الإيماني والاجتماعي.
- وهكذا عندما تتحدث سورة النور عن عقوبة الزنا، نجد أن الآية الخاصة ببيان الحدّ محاطة بتشريعات وآداب ترتبط بالعلاقة بين الجنسين: (غض البصر، اللباس الشرعي، الحث على الزواج، صفات الزوجين الصالحين، تقوية الارتباط بالله من خلال المساجد، الاستئذان قبل دخول بيوت الآخرين، تصرفات الأطفال مع آبائهم في ساعات الخلوة، عدم الاتهام بالزنا إلا مع وجود الدليل القاطع، مبغوضية نشر أخبار الفاحشة.. إلخ).
2. التشدّد في كيفية ثبوت الجريمة على المتهم. فعقوبة حدّ الزنا مثلاً لا تُقام إلا بعد أن يشهد أربعة رجال عدول على أنهم رأوا الحادثة بصورتها الكاملة، وبأم أعينهم، وفي مجلس واحد، ومن دون أيِّ لبس أو شبهة... وهذا يعني أن:
أ)الشهادة لا تُقبَل إلا مِن أشخاص بلغوا مرتبة من التقوى يصح معها أن تصلّي بإمامتهم.
ب) لو شهد ثلاثة منهم بذلك، تحوّلوا إلى متهمين، وأُقيم عليهم حدّ القذف.
ج) تحقّق مثل هذه الحالة صعب جداً، ما لم يكن المتّهم فاجراً متجاهراً بالمعصية، أو أقرّ بجريمته باختيار منه، ومن دون احتمال إصابته بلوثة عقلية أو ما شابه.
- روى الشيخ الصدوق عن الأصبغ بن نباته قال: أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام فقال: (يا أمير المؤمنين، إني زنيت فطهِّرني. فأعرض عنه بوجهه، ثم قال له: اجلس، فقال: أيعجز أحدكم إذا قارف هذه السيئة أن يَسترَ على نفسه كما ستر الله عليه، فقام الرجل فقال: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني، فقال: وما دعاك إلى ما قلت؟ قال: طلبُ الطهارة. قال: وأي طهارة أفضل من التوبة؟! ثم أقبل على أصحابه يحدّثهم، فقام الرجل فقال: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهّرني، فقال له: أتقرء شيئاً من القرآن؟ قال: نعم. قال: اقرأ. فقرأ فأصاب، فقال له: أتعرف ما يلزمك من حقوق الله في صلاتك وزكاتك؟ قال: نعم. فسأله فأصاب، فقال له: هل بك مرض يعروك أو تجد وجعاً في رأسك أو بدنك؟ قال: لا، قال: اذهب حتى نسأل عنك في السرّ كما سألناك في العلانية، فإنْ لم تعُد إلينا لم نطلبْك). وفي نص آخر أنه قال: (ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعضَ هذه الفواحش فيفضحَ نفسَه على رؤوسِ الملأ، أفلا تاب في بيته؟ فوالله لتوبتُه فيما بينه وبين الله أفضلُ مِن إقامتي عليه الحد).
3. وجود الشبهة يمنع مِن إقامة الحد، فعن النبي (ص): (اردرؤوا الحدود بالشبهات)... وفي آخر: (ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإنْ كان له مخرج) كالشبهة (فخلّوا سبيله، فإنّ الإمام لأن يُخطئ في العفو خيرٌ مِن أن يخطئ في العقوبة).
4. لابد من توافر شروط عديدة -أوصلها بعض الفقهاء إلى 26 شرطاً- كي يُقام حدّ قطع اليد بالنسبة إلى السارق، ولنلاحظ الأمثلة التالية:
أ) في الكافي بسند معتبر عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (السارق إذا جاء مِن قِبل نفسه تائباً إلى الله عز وجل، تُردّ سرقتُه إلى صاحبِها ولا قَطْعَ عليه).
ب) وفيه بسند معتبر عنه (ع): (لا يُقطَع إلا مَن نقّب بيتاً، أو كسَر قفلاً).
ج) وعنه (ع) بنفس السند: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: كلُّ مُدخَل يُدخَل فيه بغير
إذن فسَرق منه السارق، فلا قَطع فيه. يعني الحمّامات والخانات والأرحية) الطواحين.
د) وعنه (ع) بنفس السند: (لا يُقطَع السارق في عام سَنة، يعني عام مجاعة).
- ولا تجتمع الشروط المذكورة إلا في حالات خاصة، ولذا لو تحققت السرقة دون استكمالها، فإن هذه العقوبة تُخفَّف إلى عقوبة أخرى متناسبة مع طبيعة الجريمة وحجمها.
5. تخفيف العقوبة عن فئات: في الكافي عن الصادق(ع): (.. إن رسول الله [ص] أُتي برجل أحبن مستسقى البطن، قد بدت عروقُ فخذيه، وقد زنى بامرأة مريضة، فأمر رسولُ الله [ص] بعَذْق فيه شِمراخ، فضُرب به الرجل ضربة، وضُربت به المرأة ضربة، ثم خلَّى سبيلَهما، ثم قرأ هذه الآية [وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ]).
6. مراعاة آداب إقامة الحد:
- من أمثلة ذلك ما في الكافي عن هشام بن أحمر عن العبد الصالح [أي الكاظم] (ع) (كان جالساً في المسجد وأنا معه، فسمع صوت رجل يُضرَب صلاة الغداة) الفجر (في يوم شديد البرد، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجلٌ يُضرب، فقال: سبحان الله، في هذه الساعة؟! إنه لا يُضرَب أحدٌ في شيءٍ مِن الحدود في الشتاء إلا في أحرِّ ساعة من النهار، ولا في الصيف إلا في أبردِ ما يكون مِن النهار).
- وفي المغني لابن قدامة: (رُوي عن علي[رض] أنه قال:.. وهكذا الضرب يكون وسطاً، لا شديد فيقتُل، ولا ضعيف فلا يردَع. ولا يرفعُ باعَه كلَّ الرفع، ولا يحطُّه فلا يُؤلم).
- من كلِّ ما سبق يتبيّن أنه في الوقت الذي ندرك فيه أهميةَ دعمِ سنِّ القوانين بمجموعةٍ من العقوبات الرادعة: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:179]، إلا أننا أيضاً نؤكّد على أنّ آخر ما يتطلّع إليه الإسلام هو إقامةُ الحدودِ والتعزيرات، وأن توبةَ العبدِ بينَه وبين ربِّه مقدَّمةٌ على ذلك، وأن الجريمةَ لا تَثبتُ من العاقلِ المختارِ دون إقرارٍ متكرّر، إلا بأدلةٍ دامغةٍ دقيقة، وبالتفصيل الذي لا يدع مجالاً للاحتمال الضعيف المضاد، وأنّ الحدودَ قد تُدرأ في حالاتٍ عديدة، وقد تُخفَّفُ العقوبةُ لأسبابٍ عديدة، فالإسلام جاء أساساً لينشئ مجتمعاً صالحاً بالتربية والتوجيه والالتزام بالقوانين، لا ليُرهِبَ الناسَ ولا ليقطَعَ ويجلُدَ ويسجُنَ، وكلُّ هذا يأتي بعد تحقيق مجموعةٍ مِن المقدِّمات الأساسية، لذا كان مِن الإجحاف إطلاقُ الحديث عن تطبيقِ نُظُمِ العقوبات الشرعيةِ في مجتمعٍ غيرِ قائمٍ على النظامِ الإسلامي أصلاً، أو في مجتمعٍ إسلاميٍّ اختلّت فيه الأوضاعُ الإيمانيةُ والاقتصاديةُ والاجتماعيةُ والسياسيةُ، ولم يُطبَّق فيه حكمُ الإسلام إلا صورياً، أو في مواردَ اجتزائيةٍ انتقائية.
ولنصرةِ غزةَ نصيبٌ في خطبتنا هذه: اللهم يَا مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَنْبَاءُ الْمُتَظَلِّمِينَ، ويَا مَنْ لَا يَحْتَاجُ فِي قَصَصِهِمْ إِلَى شَهَادَاتِ الشَّاهِدِينَ، ويَا مَنْ قَرُبَتْ نُصْرَتُهُ مِنَ الْمَظْلُومِينَ، ويَا مَنْ بَعُدَ عَوْنُهُ عَنِ الظَّالِمِينَ، قَدْ عَلِمْتَ، يَا إِلَهِي، مَا نَالَ إخوانَنا في غزةَ مِنْ الصهاينةِ ومِمَّن يقفُ مِن خلفِهم، مِمَّا حَظَرْتَ وانْتَهَكوه منهم. اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وخُذْ ظَالِمِيهم بِقُوَّتِكَ، وافْلُلْ حَدَّهُم بِقُدْرَتِكَ، يا قاصمَ الجبارين، ونكالَ الظالمين.